الشيخ محمد هادي معرفة
325
تلخيص التمهيد
الذي يجب وهو التأمّل القلبي ، علمت ما موقعه ، وكيف أصاب المحزّ « 1 » وطبّق مفصل البلاغة ، لكونه منبّهاً على أنّ العبد المُنعَم عليه بتلك النِعَم العِظام إذا قدّر أنّه ماثل بين يدي مولاه ، من حقّه إذا أخذ في القراءة أن تكون قراءته على وجه يجد معها من نفسه شبه محرّك إلى الإقبال على من يحمده ، صائر في أثناء القراءة إلى حالة شبيهة بإيجاب ذلك عند ختم الصفات ، مستدعية انطباقها على المنزّل على ما هو عليه ، وإلّا لم يكن قارئاً . والوجه : هو إذا افتتح التحميد أن يكون افتتاحه عن قلب حاضر ونفس ذاكرة ، يعقل فيمَ هو ؟ وعند مَن هو ؟ فإذا انتقل من التحميد إلى الصفات ، أن يكون انتقاله محذوّاً به حذو الافتتاح ، فإنه متى افتتح على الوجه الذي عرفت ، مُجرياً على لسانه « الحَمدُ للَّه » ، أفلا يجد محرّكاً للإقبال على من يحمد ، من معبود عظيم الشأن ، حقيق بالثناء والشكر ، مستحقّ للعبادة ؟ ثمّ إذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله : « ربّ العالمين » واصفاً له بكونه ربّاً مالكاً للخلق ، لا يخرج شيء من ملكوته وربوبيّته ، أفترى ذلك المحرّك لا يقوى ؟ ثم إذا قال : « الرَّحمانِ الرَّحيم » فوصفه بما ينبئ عن كونه منعِماً على الخلق بأنواع النِعَم ، جلائلها ودقائقها ، مصيباً إيّاهم بكل معروف ، أفلا تتضاعف قوّة ذلك المحرّك عند هذا ؟ ثمّ إذا آل الأمر إلى خاتمة هذه الصفات ، وهي « مَالك يَوم الدين » المنادية على كونه مالكاً للأمر كلّه في العاقبة يوم الحشر للثواب والعقاب ، فما ظنّك بذلك المحرّك ، أيسع ذهنك أن لا يصير إلى حدّ يوجب عليك الإقبال على مولى ، شأن نفسك معه منذ افتتحت التحميد ما تصوّرت ، فتستطيع أن لا تقول : « إيّاك ، يا من هذه صفاته ، نعبد ونستعين ، لا غيرك » فلا ينطبق على المنزل على ما هو عليه ؟ وأخيراً قال : واعلم أنّ لطائف الاعتبارات المرفوعة لك في هذا الفن ، من تلك المطامح النازحة من مقامك لا تثبتها حقّ إثباتها ، مالم تمتر بصيرتك في الاستشراف لما هنالك أطياء
--> ( 1 ) . الحزّ : القطع . والمحزّ : موضع الذبح .